ابن عربي

273

مجموعه رسائل ابن عربي

فقال الملك : نعم . فقال الحكيم : من أراد أن يعرف أصل نشأة العالم ، وترتيب هيئته : من خط الاستواء يعرفه . فقال الملك : فكيف أصنع ، فاني لا أجد في نفسي قوة تصور هذه الأسباب والمقدمات ، وإيجاد هذه التأليفات والمركبات . فقال الحكيم : إن اللّه سبحانه وتعالى قد منحني القوة على بناء ما يماثلها ، وإقامة ما يشاكلها ، ووهبني أسرار كيفياتها ، وكميات حركاتها ، ولي أصحاب من الحكماء من أهل الفطنة والذكاء ، أشد بهم أزري ، أحكم بمشاورتهم ورأيهم أمري ، ليقضي المولى ، وتقوم له هذه الروحانيات العلى . فسر الملك بما قاله الحكيم ، وزال عنه ما كان أحاط به من الهموم ، وقام الحكيم فاخترق مخاريق هذا الجبل العظيم ، ينظر فيه : أين نقطة دائرة المركز الذي تقوم عليه النشأة ، ويترتب عليه نظام الهيئة ، فرأى الرياح والبخارات التي تنحل من مسام ذلك الجبل تصير كالدائرة تتحرك في موضعها ، ولا تتعدى إلى غير مهيعها ، فأعمل الحيلة حتى روحن « 1 » ذاته ، فالتحق بالاطيار وسوى جناحيه وطار ، واخترق معظم تلك الرياح : محلقا في جوها ، ينزل بنزولها ، ويسمو بسموها ، إلى أن انتهى إلى موضع لا يتعدى النازل فيه على الصاعد ، ولا الصاعد على النازل . فقال الحكيم : اللّه أكبر ، قام الملك وظهر ، فإذا بذلك المركز المعقول أرضا ذات أشجار وبقول ، وأدار عليها الماء فدار ، وأدار عليه الهواء فصفق النسر بجناحيه فيه وطار ، وأدارته دائرة الزمهرير ، وحلق به الفلك الأثير ، فلما أكمل هذه الأركان لإنشاء ما يريد من المعادن والنبات والحيوان ، لم ينفعل عنها ما أراد ، لأنها أشباح بلا أرواح ، وإناث بلا ذكور ، فاحتاج إلى إقامة النجوم الثابتة والبروج الحاكمة ، والكواكب السّيارة ، وحركات أفلاكها ، وفتح مسالك أملاكها ، وأقامها فكانت الآباء العلويات وهذه الأمهات السفليات ، فتناكحا بالحقائق

--> ( 1 ) في المطبوعة : « روض ذاته » ، ومعنى روحن ذاته : طيبها وأراحها ، وفي المختار « مكان روحاني » بفتح الراء : طيب .